يرى المحلل السياسي والصحفي المستقل الإيراني الكندي شهير شاهيدسالِس أن الحرب المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران لم تعد تدور حول البرنامج النووي الإيراني، ولا حتى حول تغيير النظام، وهو الهدف الذي دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البداية إلى جرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصراع، بل تحولت إلى صراع للسيطرة على مضيق هرمز.


وبحسب تحليله  نشره موقع «ميدل إيست آي»، يعتقد الطرفان، طهران وواشنطن، أن عامل الوقت يصب في مصلحتهما، لكن التكاليف المتزايدة للحرب قد تدفعهما في نهاية المطاف إلى العودة إلى طاولة المفاوضات. وبعد الشهر الأول من الحرب، وجدت إيران نفسها في موقع أكثر أفضلية على نحو غير متوقع، بعدما فرضت سيطرة فعلية على مضيق هرمز، ما يمنحها قدرة على التأثير في أسعار النفط العالمية، وبالتالي الضغط على الاقتصاد الأمريكي والتأثير في حسابات واشنطن السياسية.


مضيق هرمز يتحول إلى ورقة الردع الأقوى لإيران

 


يشكل التحكم في أهم ممرات الطاقة في العالم أقوى وسيلة ردع استراتيجية تمتلكها الجمهورية الإسلامية أمام الولايات المتحدة وإسرائيل منذ عقود، وهو ما يدفع واشنطن حاليًا إلى محاولة انتزاع هذه الورقة من طهران بكل قوة.


واندلعت الجولة الأخيرة من الصراع بعدما وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مذكرة تفاهم، جاءت بنودها لمصلحة إيران بدرجة كبيرة، إذ نصت المادة الخامسة صراحة على منح طهران صلاحية «اتخاذ الترتيبات، باستخدام أفضل جهودها، لضمان المرور الآمن للسفن التجارية». وبعد ذلك، حددت إيران ممرًا ملاحيًا تجاريًا يقع بالكامل داخل مياهها الإقليمية.


وبعد ثلاثة أيام من توقيع الاتفاق، أعلن مركز المعلومات البحرية المشترك، المدعوم من الولايات المتحدة، أن السفن التجارية تستطيع عبور مضيق هرمز تحت إرشاد أمريكي عبر المسار الجنوبي، في خطوة تحدت النفوذ الجديد الذي اكتسبته إيران. واعتبرت طهران أن واشنطن انتهكت المادة الخامسة من مذكرة التفاهم، بعدما تدخلت في مسؤوليتها عن ضمان المرور الآمن للسفن.


ومن وجهة نظر طهران، استهدفت الخطوة الأمريكية تجريد إيران من سيطرتها الفعلية على المضيق عبر تحويل حركة الملاحة إلى القناة الجنوبية، خارج نطاق نفوذها الفعلي، وبالتالي إبطال القيمة الجيوسياسية لمضيق هرمز كورقة ضغط. وردت إيران باستهداف سفن تجارية، ما دفع الولايات المتحدة إلى التدخل.


حرب استنزاف تهدد الاقتصاد والبنية التحتية الإيرانية

 


يتمثل السؤال المركزي الآن في قدرة إيران والولايات المتحدة على خوض حرب استنزاف طويلة دون تحمل تكاليف باهظة تفوق قدرة أي منهما على الاحتمال.


ويشير تحليل حديث نشرته وكالة «نور نيوز»، المقربة من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إلى أن واشنطن انتقلت من السعي إلى تحقيق نصر عسكري سريع إلى استراتيجية استنزاف تستهدف إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية والمرونة الاقتصادية والتماسك المجتمعي. ويدعو التحليل طهران إلى تجنب الدفاع السلبي ورفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.


لكن هذه الاستراتيجية المضادة تحمل مخاطر عميقة على عدة جبهات. فقد تدهور الوضع الاقتصادي الداخلي بسرعة، إذ تجاوز معدل التضخم في إيران 88% خلال الشهر الماضي. وحذر الاقتصادي مسعود نيلي، المستشار الرئاسي السابق، من احتمال دخول البلاد مرحلة تضخم مفرط، مستشهدًا بتجربة فنزويلا، وقال إن 11 محافظة سجلت الشهر الماضي تضخمًا من ثلاثة أرقام، بعدما لم تسجل أي محافظة هذا المستوى قبل أربعة أشهر.


وتعرض سوق العمل لضغوط مماثلة، إذ تشير بعض التقديرات إلى فقدان ما بين 3 و4.5 مليون إيراني وظائفهم بسبب الحرب. ومع تراجع مستويات المعيشة، ترتفع احتمالات اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة، خصوصًا بين الشباب الإيراني.


كما قد تؤدي الحرب تدريجيًا إلى تدمير البنية التحتية الحيوية في إيران. وتصاعد هذا الخطر بعدما تبنى ترامب ما يشبه استراتيجية «جسر مقابل سفينة»، مهددًا بالرد على كل هجوم إيراني يستهدف حركة الشحن التجاري في مضيق هرمز عبر تدمير جسر أو محطة لتوليد الكهرباء.


وقد يؤدي تبادل الضربات لفترة طويلة في نهاية المطاف إلى جعل أجزاء واسعة من البنية التحتية الحيوية في إيران غير صالحة للعمل، ما قد يدفع البلاد نحو حالة من العجز عن إدارة شؤونها.


في المقابل، تواجه طهران أيضًا تساؤلات بشأن جدوى مواصلة استهداف السفن التجارية التي تعبر المياه العمانية. فقد أظهرت الهجمات بالفعل قدرة إيران على تعطيل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وهو ما منحها قدرًا من الردع الاستراتيجي. ولذلك، يطرح استمرار استهداف الملاحة التجارية خطر تصعيد غير ضروري قد يفوق المكاسب المحتملة.


ترامب يواجه قيودًا عسكرية وسياسية قبل انتخابات التجديد النصفي

 


يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدوره قيودًا كبيرة على مواصلة حرب استنزاف طويلة. فعلى الرغم من اللهجة التصعيدية التي تصدر عن إدارته، تشير دلائل متزايدة إلى أن الولايات المتحدة تفتقر إلى الموارد اللازمة لتوسيع حملتها العسكرية ضد إيران.


ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤول أمريكي قوله إن الولايات المتحدة لا تمتلك ما يكفي من أنظمة الدفاع الجوي والذخائر بعيدة المدى لمواصلة العمليات بأمان، مضيفًا أنه لا يعتقد أن البيت الأبيض يدرك حجم هذه المشكلة.


كما أشار تقرير آخر نشرته «واشنطن بوست» الأسبوع الماضي إلى تقييمات استخباراتية أمريكية خلصت إلى أن الحملة المتوسعة التي يقودها ترامب وصلت إلى طريق مسدود، وهو ما يعكس المأزق الذي تواجهه واشنطن في هذه المرحلة.


وتزايدت كذلك التداعيات الاقتصادية للحرب على الأمريكيين، إذ ارتفع التضخم إلى 4.2% في مايو، مقارنة بـ2.4% في فبراير، قبل أن يتراجع قليلًا إلى 3.5% في يونيو، بعد توقيع مذكرة التفاهم وانخفاض أسعار النفط.


وتراجع التأييد الشعبي للحرب أيضًا. ووفق استطلاع جديد أجرته «بوليتيكو» ونشرته الأسبوع الماضي، كان نصف أنصار ترامب من قاعدة «ماغا» يرون في مايو أن الحرب مع إيران تستحق تكاليفها الاقتصادية، لكن هذه النسبة تراجعت حاليًا إلى نحو الثلث.


ووفقًا لمجلة «إيكونوميست»، تُعد الحرب مع إيران الأقل شعبية بين جميع الحروب الأمريكية التي تتوافر بشأنها بيانات مماثلة لقياس الرأي العام.


وقد يترك هذا التحول تداعيات كبيرة على انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، إذ تشير التوقعات الحالية إلى امتلاك الديمقراطيين فرصة تتجاوز 70% للفوز بمجلس النواب، بينما تبدو المنافسة على مجلس الشيوخ أكثر تقاربًا. وإذا طال أمد الصراع وتصاعدت حدته، فمن المرجح أن يزداد الاستياء الشعبي، ما قد يعزز فرص تكبد الجمهوريين خسائر انتخابية.


وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من تهديد ترامب غير المسؤول بإعادة إيران إلى «العصر الحجري» عبر القصف، فإن شن حملة تستهدف تدمير البنية التحتية للبلاد بشكل منهجي وفرض معاناة لا تطاق على ملايين الإيرانيين سيواجه قيودًا عملية وسياسية وإنسانية هائلة.


ويشير قبول ترامب في نهاية المطاف بوقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات إلى أن هذه القيود أكثر تأثيرًا بكثير مما توحي به تصريحاته التصعيدية.


وتبرز هنا المفارقة الاستراتيجية؛ إذ قد يعتقد كل من طهران وواشنطن أن عامل الوقت يعمل لمصلحته، لكن التكاليف التراكمية والقيود المتزايدة التي تفرضها حرب استنزاف طويلة قد تضيق الخيارات الاستراتيجية أمام الطرفين، وتدفعهما في نهاية المطاف نحو العودة إلى المفاوضات.


ويخلص شاهيدسالِس إلى أن استمرار الحرب قد لا يمنح أيًا من الطرفين طريقًا واضحًا نحو النصر، بل قد يقود إلى نقطة يصبح فيها التفاوض الخيار الأقل كلفة، بعدما تستنزف الحرب القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية لكل من إيران والولايات المتحدة.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/are-iran-and-us-fighting-war-neither-side-can-win